خالد إسماعيل: المثقف كائن معزول

خالد إسماعيل
خالد إسماعيل كاتب مصري مهموم في معظم أعماله برصد التحولات، التي جرت للمجتمع المصري، وللمثقفين أيضاً، وانزوائهم بعيداً نتيجة لإحساسهم بانعدام قيمتهم لدى مجتمعهم، وبداية صعود الجماعات المتشددة على الجانبين الإسلامي والمسيحي .

صدر للقاص والروائي خالد إسماعيل مجموعتان قصصيتان هما درب النصارى، وغرب النيل، وثماني روايات هي عقد الحزون، كحل حجر، العباية السودا، أوراق الجارح، ورطة الأفندي، 26 أبريل، زهرة البستان، ومؤخراً صدرت له رواية أرض النبي .


* كيف ترى المشهد الثقافي بعد الثورة؟

المشهد الثقافي بعد الثورة يعتبر في طور التشكل، لأن هذه الثورة لم تتسلم السلطة، ونظراً لأن النظام البائد قضى على الصفين الثاني والثالث من السياسيين والمثقفين، وجدت الثورة المصرية نفسها في حاجة إلى استكمال المرحلة الانتقالية بالوجوه القديمة .

أما على مستوى الفعل الثقافي الأهلي فهناك ملتقى الشعر، وهي حركة شعرية تهدف إلى ربط الشعر بالواقع المعاش، وبالنسبة للقصة حدث لها تحول كبير في الفترة الأخيرة، فمنذ عام مضى تأكد تماماً أن الأدب الروائي والقصصي المنحاز إلى الناس والمعبر عن نبض الشارع والمتمسك بقضية الحرية والعدالة الاجتماعية هو الذي يسود الآن، وبهذا نجد أن الثورة كفعل جماهيري وسياسي سبقها فعل ثقافي، وهي مهمة الروائي الذي يكشف المنظومة الفاسدة، ومهمة الشاعر الذي يكتب قصيدة تخاطب الإنسان وتعبر عن آلامه، كما أن المشهد الثقافي الأهلي ينمو ويزدهر ليأتي اليوم الذي نستغني فيه عن وزارة الثقافة، والأموال المقتطعة من صغار الفلاحين والعمال والتجار يجب أن توجه إلى الخدمات الصحية والتعليمية، والأموال التي أهدرت على وزارة الثقافة لم تضع مصر في المكانة اللائقة بها أدبياً، لتتحول إلى مجموعة تنهب المال العام دون أن تضيف لمصر أي شيء .

* في روايتك أرض النبي نحن أمام فئتين متعصبتين إحداهما إسلامية والأخرى كنسية، برأيك كيف وصلنا لهذا؟

نتيجة للتعصب الإسلامي ظهر التعصب المسيحي، وكلتا الفئتين ضد أحلام وطننا ومستقبله .



* لماذا المثقف في أرض النبي وفي معظم أعمالك هو شخص مهزوم وهامشي أيضاً؟

هو متخاذل، مهزوم، أو مكبل، ويعتبر أن الثقافة هي طوق النجاة بالنسبة له، ويريد أن يرتقي إلى مستوى أفضل، ولكنه لا يستطيع فينقلب على أهله، وإن كان مناضلاً وعضواً في منظمة سرية وحدثت له هزيمة نتيجة تخلي بعض زملائه عنه يحبط، ومن الممكن أن يكون مكبلاً بحيث يجد نفسه في ظروف اجتماعية تكبله، وهو في هذه الحالة يقع بين شقي ثقافتين إحداهما تقليدية وهي وضعه في المجتمع والتزاماته نحو أسرته، وثقافته التي يبشر بها، وخلال الثلاثين عاماً الأخيرة تضخمت الدولة البوليسية حتى محت كل عمل أهلي، وقضت على المثقفين والمبدعين والأفكار، وتم تجفيف منابع المثقفين والمبدعين، وهو ما أدى إلى انعزال المثقف نتيجة لإحساسه بانعدام قيمته .

* هل ترى أن اليسارية هي الحل في مواجهة التعصب في المجتمع المصري؟

عندما تصل الأمور إلى تركز الثروة في أيدي عدد قليل من الناس ومن حولهم الكثيرون فقراء ستحدث كارثة، ليس في مصر فقط وإنما في العالم أجمع، فالعولمة سقطت لأنها سلبت الناس الحريات، وتركزت الثروة في أيدي عدد قليل من المغامرين واللصوص، والحل في إعادة توزيع الثروة بما يضمن للبشر معيشة كريمة .

* ألا ترى أن الرواية مزدحمة بالأشخاص لدرجة يصعب معها تركيز القارئ؟

أكتب بطريقة السرد الشفاهي، لأن إيقاع الحياة يجب أن يكون موجوداً بكتاباتي، ومحاولة خلق أدب مصري قائم على التراث الشعبي ومن ضمنه الحكاية الشعبية، وهو مشروع بدأه الرائع يحيى الطاهر عبدالله ولم يكمله، وهو إزالة الفارق بين الكتابي والشفاهي، فهو وضع اللبنة الأولى ونحن نكمل من بعده، وزحمة الأسماء والحكايات لأن أماكننا ضيقة، وكتاباتي تشبه ألف ليلة وليلة في طريقة بنائها السردي، حيث الدخول في حكاية، والخروج منها إلى أخرى، وألف ليلة وليلة هي التي صنعت أدباء أمريكا اللاتينية، ولذلك الأجدر بنا أن نكتب نحن بهذه الطريقة واستخدام البناء نفسه، فالرواية فعل حياتي يرصد مجموعة من البشر يعيشون في أزمة، وبعض الناس اعتاد على قراءة أدب المحاكاة الزائف، وعلى سبيل المثال روايات بهاء طاهر، والتي تمثل واقعاً مثالياً لا نجد فيه بطلاً يسب الآخر .

* البعض يقول إن أعمالك هي أقرب للسيرة الذاتية؟

السيرة الذاتية لون أدبي وفني معترف به في العالم، وأنا أستخدم ضمير المتكلم، لذلك تجد البعض يقول إن هذه الواقعة مشابهة لما حدث للمؤلف، وترى البطل متورطاً في صناعة الأحداث أخذاً ورداً، كما أنني دخلت في صراع مع الكتّاب التغريبيين، وما يحدث هو محاولة لتشويه كتاباتي، فأنا أكتب من الواقع ولا أسرد الوقائع، لأنني أحسه وأستقطره في أعمالي .

* البعض اختار العامية ليكتب بها لكنك تكتب باللهجة الصعيدية، ألا ترى أنها صعبة الفهم على الكثيرين؟

كل أبناء الأقطار العربية يفهمون هذه اللهجة ما عدا القاهريين، وهو ما أستغربه، فالقاهرة عالم وباقي الأقاليم عالم آخر، وأنا حريص على أن تكون اللهجة واضحة بقدر المستطاع، وهي أزمة تخص مصر، حيث لدينا عاصمة ضخمة وأطراف ضعيفة ولا اتصال بينهم، وستجد في بعض أعمالي هوامش لتوضيح بعض معاني الكلمات التي تتداخل مع معنى آخر، وأيضاً لن أكتب فصحى غير قادرة على التعبير الحياتي، فأنا من أنصار نظرية يحيى حقي، وهي حتمية اللفظ بأن أستخدم اللفظ الدال على الشعور، بغض النظر إن كانت هذه الكلمة فصحى أم عامية، ولا أومن بموضوع الصراعات الدائرة على الساحة كالفصحى والعامية، والتراث والمعاصرة، لأنها موجودة منذ زمن طويل، ولم يظهر لها حل حتى الآن .

* ما السبب في تركيزك على الشخصيات المشوهة داخلياً؟

ليست مشوهة داخلياً لأن مهمة الكاتب أن يجعلك ترى ما لا تريد رؤيته، فلا يصح أن أقدم أدباً مزيفاً، أو أن أكتب عن أشياء لا أعرفها، فأنا من أسرة فقيرة ومجتمع فقير، وفعل القمع والتجويع ينتج مثل هذه الشخصيات، ومهمتي ككاتب أن أظهر للقارئ ما يريد البعض إخفاءه ككارثة زلزال 1992 الذي ضرب مصر فحوله الإعلام المصري لفعل بطولة، وكيف أن شاباً ظل تحت الأنقاض مدة ثلاثة أيام، وتغاضوا عن باقي الكارثة، كما أنني حريص على كشف العلاقات التي أدت إلى تخريب هؤلاء البشر .


صدام كمال الدين
10/12/2011
شاركه على جوجل بلس

عن صدام كمال الدين

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 التعليقات:

إرسال تعليق