نهى محمود: جيل السبعينات يحقد علينا

قد لا تكون كتابتى عظيمة لكنها بسيطة وهو ما أحرص عليه

جيلا السبعينات والتسعينات لم ينجزا ما أنجزناه


نهى محمود
ربما لا تكون كتاباتى عظيمة، ولكنها بسيطة كمعظم كتابات جيلى فى التحامها بحياتنا ، أحلامنا ، طموحاتنا ، وتجاربنا ، والتى نتج عنها ثورة 25 يناير وما حدث فى ميدان التحرير ، هذا ما تراه الكاتبة والروائية نهى محمود ، كما أنهم جيل الكتابة الجديدة استطاعوا أن ينجزوا ما لم يستطع أن ينجزه جيل السبعينات أو التسعينات لذلك من الطبيعى أن يشعر هذان الجيلان بالحقد ناحيتهما . 


نهى محمود كاتبة وصحفية مصرية ،صدر لها روايتين هما " الحكي فوق مكعبات الرخام" ،وراكوشا، وكتاب " نامت عليك حيطة" بالاشتراك مع الكاتب محمد فنحى، وكتاب "كراكيب" وهو عبارة عن موضوعات مختارة من مدونتها والتى تحمل نفس الاسم ، وفازت مؤخرا بجائزة مجلة دبي الثقافية في الرواية في دورتها السابعة عن روايتها "هلاوس" .


المزيد
* ما شعورك بعد حصولك على جائزة دبى الثقافية ؟

الإنسان طوال الوقت يصيبه الفرح ، ولكن جائزة دبى بالنسبة لى كانت فرحا مطلقا .

* وما قيمة الجوائز بالنسبة للأديب ؟

صدر لى روايتين وكتابين إلى جانب رواية " هلاوس " والتى حصلت على جائزة دبى عنها، ولدى عدد كبير من القراء والذين يتابعون أعمالى وأيضا مدونتى،ولكن الجائزة محط أنظار الجميع،وكأننى طفلة وضع أحدهم بيدها علبة من الحلوى . 

* وماذا عن رواية هلاوس ؟


فى الغالب كتاباتى تبدو وكأنها سيرة أدبية ممتدة لأننى مغرمة بحكايات البنات ومشاعرهم ،وقد لا تكون كتابتى عظيمة ولكنها بسيطة وهو ما أحرص عليه،وهلاوس تحكى عن كاتبة تعانى من الأرق والوحدة ولديها رواية لا تستطيع أن تنجزها فتذهب إلى الفراش فى إحدى الليالى والتى هى عمر الرواية،وتستدعى خلالها ما حدث لها فى حياتها،أرواح الجدات ،ومأزقها الشخصية ومشاكلها ليختلط الحلم لديها بالواقع فى الرواية .

* تهتمين بتفاصيل المرأة ومشاكلها فهل نعتبر كتاباتك نسائية ؟

صدفة أن أكتب عما أعرف،والرجل بالنسبة لى كيان غامض وربما هذا ضعف بتجربتى،أو لأن معظم من قابلتهم من الرجال كانوا صامتين ،ويلوحون برؤسهم للعالم فقط ، فالمرأة بالنسبة لى كائن محمل بالتفاصيل ،كما أنها نص زخم وثرى بالحياة،وأفرح عندما أكتب عن النساء .

* وماذا عن المشهد الثقافى الآن . كيف ترينه ؟

عبقرى ومبشر ،وكما قال الدكتور عبد المنعم تليمة " كان هناك جيل الرواد والذى اهتم بالأخلاق وتلاه جيل الأبناء الذين كتبوا السيرة كطه حسين ويوسف إدريس،ومن ثم جاء جيل نجيب محفوظ والذى اهتم بالمجتمع والفرد،أما نحن فجيل رابع ونتاج لكل هذا الزخم الثقافى "،وشغوفين بالقراءة والرغبة فى اختراع العوالم والتأريخ للذات،لذلك كل فرد فى الجيل لديه مشروعه الخاص به ،والذى يميزه .

* ولكن هناك مآخذ على جيلكم وخاصة من أدباء السبعينات بأنه جيل بلا قضية ؟

جيل السبعينات والتسعينات لم ينجزا ما أنجزناه لذلك من الطبيعى أن يشعرا نحونا بهذا الحقد،وإن لم يكن لدينا قضية كبرى تجمعنا فأنسحبنا إلى ذاتنا،والضغط من الذات الحزينة والتى تصرخ نتاجهما كان ما حدث فى ميدان التحرير وثورة 25 يناير،ويكفى أننا استطعنا أن نعبر عن مشاعرنا فى عالم يكتنفه كل هذا الغموض وهذه بطولة تستحق التشجيع ،ولم يكن لدينا مشروع قومى نمشى ورائه ولكن كان لدينا أحلام متكسرة واستطاع كل فرد أن يعبر عن حلمه وهذا انجاز اخر .

* ولكن أليس مهمة الأديب أن يعرى مجتمعه من كل الزيف الذى به ويناقش القضايا التى تهمه كالفقر والفساد وغيرهما ؟

عندما يتخطى شاب مطحون سن الثلاثين ولا يستطيع الزواج ويكتب عن هذا،أولا يجد عمل ينتج عنه دخل ثابت ،أو بنت تتحدث عن العنوسة ألا يعتبر هذا من قضايا المجتمع،وأيضا أحلام الحب المجهضة وهى الرومانسية التى انشغل بها كثيرا فى كتاباتى،ألا يكون هذا تخفيف من صعوبة الحياة بالتركيز على قيم الجمال فى أبسط جوانب الحياة ،وكبشر نكتسب خبراتنا فى الحياة من بعضنا ولسنا سمكة تخرج للحياة لتقع فى شبكة الصياد،فنحن كائن يكتمل ويبصر عن طريق تشبيك أيديه بمن يليه من الأجيال،وعندما كتب العقاد رواية " سارة " ما الذى فعله سوى أن صاغ مشاعره على الورق ،وكذلك رواية زينب لهيكل،وبهذا تجد أننا لا نخترع شئ لم يحدث من قبل فى تاريخ الأدب .

* ولكن بعض النقاد يقولون بأن الكتابات الرومانسية كأدب إحسان عبد القدوس ويوسف السباعى انتهت ولم يعد لها وجود الآن ؟

أتذكر عندما عرضت على الناشر روايتى الأولى " الحكى فوق مكعبات الرخام " قال لى هل لازال هناك من يكتب مثل هذه الكتابة ويقصد الرومانسية ،وعمل على نشر الرواية ليرى رد فعل القراء عليها فما كان إلا أن نفذت الطبعة الأولى منها وطرحت الطبعة الثانية منها مؤخرا فى المكتبات،وأذكر أنها لفتت أنظار القراء والنقاد لى،وهى ليست رومانسية مفرطة ولكنها لمست شئ جميل وسط الصخب والعدوانية والاليكترونات الموجودة فى كل ما يحيط بنا،كما أننا مازلنا نتابع أفلام الأبيض والأسود حتى الآن ولم يخرج علينا من يقول بأن زمن هذه الأفلام انتهى .

* الحياة الأدبية فى مصر هل اختلفت عما كانت عليه قبل الثورة ؟

لا أستطيع أن أحكم عليها الآن لأن العام الذى مضى كان مليئا بالمشاحنات والشد والجذب،وأصبح الحديث يدور فى معظمه عن السياسة فقط ولاشئ سواها فمعظم المطبوعات الأدبية خلال الفترة الماضية كانت سياسية فى معظمها،ولا نستطيع أن نعود للصفو وتقديم أدب خالص مثلما كان الحال قبل الثورة،فالوسط الثقافى كالمجتمع حاليا يمر بلحظة مخاض وعندما يستقر الوضع نستطيع وقتها أن نقيم ما حدث وما سيحدث .

* كيف ترين صعود التيارات الإسلامية ووصولها للحكم وإنعكاس هذا على حرية الإبداع والمبدعين ؟

أخشاها ،فالدين لله والفن والوطن للجميع ،كما أنه لا يجب أن أمارس عقيدتى خارج المسجد أو الكنيسة أو المعبد،ولكنى أستطيع أن أخلق عوالم وأتواصل مع أحلام مجهضة تمس الجميع فى كتاباتى،وثبت من خلال كل الأنظمة بأن الدين عندما تدخل فى الفن والحياة أفسدهما،فالنموذج الإيرانى مرعب جدا،ومن خلال قراءتى لرواية " أن تقرأ لوليتا فى طهران " والتى تصور بداية صعود الإسلاميين ووصولهم للحكم هناك وانتهاء بأن طريقة الفتاة فى المشى محسوبة عليها والتى قد تودى بها إلى السجن دون أن تقصد شئ إلا أنها كانت متأخرة عن موعد ما أاسرعت فى مشيها،وكيف أتعامل مع نظام يعتبرنى كامرأة عورة ويحرص على أن يخبأنى طوال الوقت .

* وما رأيك فى من يقول بأن أعمالك ليس لها موضوع عام تدور حوله ؟

كتابة البوح هى النوع الأدبى المفضل لدى،والفيصل لدى هل هذه الكتابة جيدة أم سيئة،فعندما سأشعر بأنها مجرد " رغى " ولا تقدم جديدا سأتوقف عن مواصلة الكتابة ،كما أننى أهتم بالفرح والتفاصيل البسيطة ،والرهان ليس فى مدى عظمة القضية التى أناقشها وإنما فى مدى بقاء كتابتى واهتمام القراء بها .

* ولكن البعض يقول بأن لجوء الجيل الجديد لما يسمى بالكتابة الشفاهية هو استسهال ؟

احترم اللغة جدا لذلك لا أكتب سوى الفصحى ولا أحب العامية فى الكتابة ،والحكى تراث جميل نحتفى به ولكن هناك عوامل عدة تجعلنى أحتفظ بكتاب ما فى مكتبتى الخاصة،كالحكاية الحلوة واللغة الجميلة والتى هى ركيزة أساسية ولست مع الكتابة الشفاهية ولا أرى أنها استسهال ولكن ربما يكون الكاتب مبهور بالتراث .

* هل الأجيال الجديدة تبحث عن شكل جديد فى الكتابة ؟

كل كاتب يريد أن تبقى كتاباته عليه أن يبحث عن شكل جديد للكتابة ،فجيل الستينات عندما بدأوا لهم ،كانوا يبحثون عن شكل جديد يختلف عما قدمته الأجيال السابقة ، كما أننا الآن منفتحون أكثر حيث نطلع على الأدب اللاتينى ،واليابانى ،وشغوفون بالتواصل مع الكتاب الشباب فى العالم كله،ونتأثر بما يحدث فى العالم من تطور وتيارات جديدة ،ولدينا نزعة نحو التجريب ورغبة فى التغيير وقتل الأب .

* ورغم هذه الرغبة فى قتل الأب إلا أن جيل السبعينات يقول بأن له فضل كبير على الأجيال الجديدة لأنه هو الذى كسر التابو وفتح الباب لهم ؟

هذا حقيقى ونعتبر أنفسنا جيل محظوظ حيث الساحة مهيأة لتلقى الأدب وأيضا فى وجود المدونات والصفحات المتخصصة فى الأدب والكاتب يعامل كنجم وربما لم يوجد لديهم هذا .

* فى أعمالك هناك تماس واضح ما بين السيرة الذاتية وأحلام أبطالك ؟

أحب هذه اللعبة فى أن أخلط ما بين بطلتى وحكاياتى،والارتباك الذى يحدث للقارئ يرضى غرورى ككاتبة تريد أن تلعب مع العالم،فالحياة لا تسمح لى بأن ألعب كل الأدوار أو أختار كل الاختيارات،ونحن طوال الوقت على محك الاختيار،وأمى أخبرتنى فى طفولتى بأن أولادنا هم فرصة أخرى لاختياراتنا،والأديب كل أبطاله هم فرص أخرى له فى الحياة،لذلك أهتم بأن أعيش حيوات بطلاتى .

* ولماذا أنت مغرمة بالوصف وتفاصيل الأشياء ؟

ايزابيل الليندى قيل عنها بأنها لو لم تكون كاتبة لوصفت بالكاذبة،وأنا لو لم أكن كاتبة لكنت وصفت " بالرغاية " لأنى أحب الحكى والكلام والذى يشبه اللمس لدى،وأحرص على أن أستمع للاخرين حتى أراهم وأحرص على أن يسمعوننى حتى يرونى وأزيل بينى وبينهم كل حواجز العزلة والوحدة .

* أبطال رواية " راكوشا " بدون أسماء . لماذا ؟

كتبت راكوشا بعد فانيليا الطاهر شرقاوى والتى كانت ساحرة جدا بالنسبة لنا عند صدورها ومثيرة للحسد ،وعندما كتبت راكوشا أردت أن أقول أننا نصدق الناس من الداخل فجربت اللعب مع صفات البشر حيث الفتى الحزين والفتاة التى تحب الورد ،ولأن الصفة التى نكررها يظهر جزء منها على ملامح وجهنا،ولذلك لم أهتم بالبشر من الخارج ولم أرصد أفعال جدية ،وكانت الحكاية ما بين الطيف والحلم،ولم ألمس أرض الواقع إلا فى لمحات قليلة جدا .

* وهل لذلك كان هناك تركيز شديد منك على الحوارات الداخلية للأبطال ؟

لأننى لا أجيد كتابة الحوار المباشر للشخصيات لذلك أهرب منه باختراع طرق أخرى كاختراع حوار داخلى، وربما لأنى أخشى أن يكسر حالة اللغة والتى أنا مغرمة بها أو اضطر أن أدخل كلمة عامية على نصى .

* الموت ، الفراق ، الحزن حاضر وبقوة لديك فى راكوشا . لماذا ؟

أحدهم أخبرنى بأنه لا يمكن أن تكون هذه شخصيتى لأننى فى الواقع شخصية محبة للضحك ، أما على الورق فأخلع عنى كل أسباب الاختفاء وأتماس مع كل ما ترك فى قلبى خدش وأتصالح معه،فأثناء الكتابة أنا كائن يملأه الفقد والفراق ولذلك أتداوى بالكتابة وأتطهر من كل أوجاعى وأتصالح مع العالم فالكتابة طريقتى للصراخ .

* وهل لذلك لغة الكتابة لديك تقترب من الشاعرية والذاتية ؟

أكتب منذ سن الثامنة،وحتى سن العشرون كنت أكتب الشعر فقط ،وفى أعمالى أحاول التخلص من اللغة الشعرية حيث لا يمكن أن أتخلص منها دفقة واحدة ،وفى رواية "هلاوس" ستجد بأن نوع الكتابة سيختلف بعض الشئ حيث هو أهدأ جرأة،وأجرب،واستدعى شخصيات جديدة بعكس أعمالى السابقة .

* وما سر ابتعادك عن الواقعية فى أعمالك ؟

فى إشكالية هل الفن ينقل الواقع أم يجمله،أنحاز إلى فكرة تجميله،ألا يكفى صوت القبح العالى والمزعج والذى يوجد فى كل ما يحيط بنا وحضوره فى الواقع طاغى ومقزز،فالسياسة والتفاصيل الشريرة تلوث الكتابة لدى،لذلك أريد أن أخترع عالم من الحلم وبوابة أرسمها بالقلم الرصاص وأفتحها لأهرب منه،وهو هروب ممتع وسيجعلنى أعود للواقع أكثر صلابة وتماسكا ولدى ما أقوله للعالم .

* ولكن أليس أحد مهام الكاتب هى كشف وتعرية زيف مجتمعه ومناقشة القضايا التى تشغله ؟

عندما أهرب وأرسم عالم أجمل عندها الناس الغارقون فى الواقع سيتمنوا أن يعيشوا فى مثل هذا العالم ،وهذه طريقتى ككاتبة فى تجميل الواقع،بعكس كتاب اخرين يتناولون الواقع بتفاصيله ومباشرته ومن ثم تحويله لكتابة،أما طريقتى فهى من خلال الاشارة إلى ماذا ستكون عليه الحياة عندما تمتلئ بالحب والجمال . 

* المدونات هل تصبح فى يوم من الأيام بديل للأدب المطبوع ؟

طوبى للكتاب والمجد للكتاب،ولا يوجد شئ فى الحياة يضاهى متعة جمال أن تمسك كتاب من ورق وحبر وترسم به خطوطك وتضع به جزء من ذاتك،أما كراكيب فكانت بالنسبة لى تمرين على الكتابة لكسر الحاجز النفسى بينى وبين القارئ والمزيد من اللعب والجرأة والاختبار،وأدين لمدونتى كل ما حدث فى حياتى الأدبية من تطور .

* لماذا لا توجد الآن مؤسسات ترعى الأدباء الشباب ؟

المجتمع كله فى حاجة للتطور والرقى ولحظة نهضتنا بالانسان الفن سيرتقى وسيتم دعم والاهتمام بالأدباء والحياة الأدبية والثقافية .

* فى السبعينات كان هناك جماعات أدبية وشلل ثقافية ولكن الآن لا يوجد .برأيك لماذا ؟

نحن جيل الكل للفرد والفرد للفرد ،فالفردية المفرطة التى نشأنا فى ظلها أنتجت هذا الشكل من الحياة الثقافية وهو ليس فاشلا كما يدعى البعض، فمع تزامن اختفاء الجماعات الأدبية ظهرت دور النشر الخاصة ،ودور الجماعة الأدبية كان فى دعم الأديب ونشر كتاب له أو أعمال مشتركة لمجموعة من الأدباء،كما أننى أتحفظ على فكرة الجماعة الأدبية لأنها ضد جنون الفنان واختلافه والذى ينتج عنه الابداع،والجماعات الأدبية لم تستمر لأن هناك شئ خاطئ فى تكوينها .

* ماذا تكتبين الآن ؟

أنتهيت من كتابة رواية كنت أحلم بكتابتها منذ زمن بعيد وهى الرواية التى ستنهى الأدب المحبب لنفسى والذى يتماس مع السيرة وأستغرق منى كتابتها نحو عامين واسمها " أوراق الصخرة المستطيلة " وحجمها أكبر من رواياتى الماضيتين .



صدام كمال الدين
1 فبراير 2012
المزيد
شاركه على جوجل بلس

عن صدام كمال الدين

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 التعليقات:

إرسال تعليق