فارس خضر: شعر ما بعد ثورة يناير بالغ الخفة


فارس خضر

يرى الشاعر المصري فارس خضر رئيس تحرير مجلة الشعر أن قصيدة النثر تسيدت المشهد الشعري المصري منذ ما يقرب من ثلاثة عقود، كما أنها قفزت قفزة جمالية واسعة باتجاه طفولة الشعر بنقائه الأول، بعيداً عن كل الخطايا الجمالية واللغوية التي ارتكبتها القصيدة المعتمدة على النظم والزخارف اللغوية والجمالية .

فارس خضر شاعر وباحث في الفولكلور المصري، ويعد أطروحة الدكتوراه عن حكايات المدن المسحورة بين المدون والشفاهي، وصدر له ثلاثة دواوين شعرية هي كوميديا، الذي مر من هنا، أصابع قدم محفورة على الرمل، وفي الدراسات ميراث الأسى . . تصورات الموت في الوعي الشعبي، والعادات الشعبية والموروث الخرافي .

* كيف ترى المشهد الثقافي بعد الثورة؟

هناك تصور خاطئ بأنه مع الثورة لا بد وأن تظهر أشكال شعرية جديدة، صحيح أنه بعد كل الثورات الاجتماعية هناك ثورات ثقافية، ولكن الذي حدث في مصر هو فوران شعري يمكن أن نطلق عليه الشعر التعبوي، أو الصارخ، وإذا حكمنا هذا النوع من الشعر لمعايير جمالية حقيقية قد يخرجها هذا من دائرة الشعر أصلا، فهو بالغ الخفة، ومتسرع، ولا يعبر عن جلال اللحظة بصدق، فالفنون لا تكتب هكذا .

* وهل هذا ينطبق على كبار الشعراء الذين كتبوا قصائد شعرية تعبيرًا عن الثورة وأحداثها؟

يمكن أن نعتبر أن قصائد حسن طلب في هجاء مبارك منذ عدة سنوات هي من قصائد الثورة ومكملة لمشروعه الشعري، فهناك حالة تواصل بين شعره قبل الثورة وبعدها، والشعراء الثوريون هم الذين كتبوا قبل الثورة، والذين سيواصلون عطاءهم بعد الثورة، أما ظهور مجموعة من الشباب المتحمس الذي يكتب كلاماً ينال به تصفيق الجماهير، فهذه ظاهرة قد تكون صحية وبها جزء تعبوي وتعبير عن اللحظة، ولكن هذه الأشعار بالفعل لا قيمة لها، لأنه لن يبقى من هذه الأشعار شيء .

* وما رأيك في المعركة الدائرة منذ فترة بين قصيدة النثر والتفعيلة؟

هناك فريق من المحافظين من سدنة النظام السابق من الأدباء والشعراء الذين كانوا يتسيدون المشهد الثقافي ويفرضون علينا ذائقتهم الجمالية، وهذا الأمر انتهى بالفعل، وهذا جزء من الثورة الثقافية، فكل ما هو متحفظ وكلاسيكي قديم لن يجد سلطة سياسية يستند إليها، وسيجد نفسه في العراء إلا إذا كان أصيلاً وحقيقياً، ونستطيع أن نقول: إن قصيدة النثر تتسيد الساحة الشعرية في مصر منذ ما يقرب من ثلاثة عقود .

* لكن البعض يتساءل عن المنجز الشعري الذي قدمته قصيدة النثر في مقابل الألوان الشعرية الأخرى؟

إذا تحدثنا عن المنجز الكمي فهناك عدد كبير جدا من الدواوين النثرية التي صدرت خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وإن تحدثنا عن المنجز الجمالي، وهو ما ينبغي أن نقيم من خلاله الفن، فيكفي أن نشير إلى عدة أسماء فقط من كتاب قصيدة النثر لنكتشف أنهم تجاوزوا من قبلهم بمراحل، فقصيدة النثر قفزت قفزة جمالية واسعة باتجاه طفولة الشعر بنقائه الأول، وبعيدا عن كل الخطايا الجمالية واللغوية التي ارتكبتها قصيدة التفعيلة، والعمودية، والمعتمدة على النظم والزخارف اللغوية والجمالية، والتي لا تنفذ إلى الروح الإنسانية بقدر ما تغنى لأنها ابنة لميراث الغناء والشفاهية .


* معنى هذا أنك ترى أن قصيدة النثر هي التي ستتسيد المشهد الشعري بعد الثورة .

هي متسيدة هذا المشهد بالفعل من قبل الثورة بسنوات، لأن قصيدة النثر هي ابنة العقل الكتابي بنقائه ورسوخه، وليست ابنة الصوت العالي، الذي يستجدي تصفيق الجمهور، بقدر ما يجلي الروح الإنسانية ويسمو بها ويرمم شروخاتها وعذاباتها، وأما إذا اعتبرنا أن الثورة هي محك ينبغي أن نتكلم عما فعلته في الأدب والفن، فنحن الآن في مرحلة انتقالية بالغة السيولة، لا نستطيع أن نحدد مسار هذه اللحظة، لأنه لم يحدث حراك حقيقي في شكل المؤسسات الثقافية، فبعد أن تمت إزاحة مبارك يوجد نظام صدئ وعفن عفا عليه الزمن، يواصل مسيرته، فوزارة الثقافة ما الذي جد بها؟ لا شيء، فالأداء العقيم والنخبوي والمتعالي والبعيد عن الناس والواقع لم يتغير، فنحن الآن في ثورة لم تكتمل، ومازالت منقوصة ولم تنجز أقل أهدافها .

* ولكن لماذا نشهد تراجعًا للمشهد الشعري في مقابل الرواية الآن؟

من مميزات الثورة أنها ستقضي تماما على تلك المقولات الخائبة، التي جلس يلوكها النقاد لسنوات طويلة عن زمن الرواية، وزمن الشعر، وما شابه، فالمنجز الأدبي أثبت هراء كل هذه الرؤى الخربة، التي تصنف الأزمنة حسب نوع أدبي معين وتقصي بقية الأنواع، فالفنون كلها تتلاقى وتتجاور ويدفع بعضها بعضا، وهي تعمل دائما باتجاه التطور والنهوض والسمو بالإنسان، بروحه، وعقله، ووعيه .

* رغم أن ديوانك الأول اسمه كوميديا فلماذا يسيطر عليه الحزن؟

لأنني لا أزيف الواقع، فأنا أكتب عن اشتباك روحي مع الحياة، كما أن حياتي لم تكن يسيرة وعانيت من العديد من الخيبات سواء كانت عاطفية، أو في الأصدقاء، أو كل علاقاتي الإنسانية التي مررت بها، فإذا جاءت اشتباكاتي الشعرية مع هذا الواقع حزينة بعض الشيء فلا أعتبر أن هذا ملمح بعيد عن شخصيتي أو تاريخي، فميراثي كله كان حزيناً وبائساً، وأقول هذا ليس إشفاقاً على نفسي بل على العكس أجد أنني عشت تجربة ثرية جدا برغم هذا، وتنقلت بين أجواء مصرية ما بين صحراوية ونيلية وحضرية، كما أتمنى أن أرصد هذه الفترة شعرياً .

* ورغم هذه الخيبات إلا أن بدايتك كما العديد من شباب الشعراء جاءت رومانسية بعض الشيء ؟

أنا أكره الرومانسية برؤيتها الواهنة والخافتة التي تنظر إلى الحياة بمنظار يجردها من فكرة الصراع .

* مقارنة بالعديد من كتّاب جيلك من الشعراء أنت مقل في إنتاجك الشعري لماذا؟

لأنني لا أستطيع أن أزيف مشاعري، فأنا انتهيت من كتابة ديوانين سأدفع بأحدهما إلى المطبعة بعد أقل من شهر واسمه صانع الآثام، وكنت أطمح أن أصدر كل عام ديوانا، لكن روحي لم تكن سخية معي إلى هذا الحد، كما أنه لا يوجد أديب يكتب بقرار .

* البعض يتساءل عن الكيانات الثقافية الجديدة كإنشاء مجمع جديد لشعراء قصيدة النثر، ما الذي يمكن أن تضيفه هذه الكيانات للحركة الأدبية في مصر والوطن العربي؟

الواقع الأدبي بالغ التشرذم، والقسوة، وإن جاز لنا وصف جيلنا بأنه جيل التسعينات لمجرد التقارب السني، أو إصدار الدواوين، ولكن الواقع يقول إننا على درجات من التناقض بالغة الاتساع، فهناك شعراء لا تربطني بهم أي رابطة إنسانية أو أخلاقية أو جمالية على الإطلاق، ومع ذلك ننتمي إلى جيل التسعينات .


صدام كمال الدين
شاركه على جوجل بلس

عن صدام كمال الدين

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 التعليقات:

إرسال تعليق