جرجس شكري: الشعر المكتوب بعد الثورة رديء

شاعر مصري يسخر من العالم


جرجس شكرى
يرى الشاعر جرجس شكري أن المعركة التي تدور في مصر بين قصيدتي النثر والتفعيلة هي مجرد جنازة لتابوت فارغ وليس لها أهمية، والأجدر بالشعراء الالتفات إلى الشعر وما وصلت إليه الحياة الإبداعية من تدهور وانحطاط، كما أنها في رأيه مجرد معركة لحساب عدد من الأشخاص، وليس من أجل إثراء الحياة الأدبية والثقافية في مصر .

شكري من مواليد ،1967 وهو ناقد مسرحي في مجلة الإذاعة والتلفزيون، صدرت له أربع مجموعات شعرية هي بلا مقابل أسقط أسفل حذائي، رجل طيب يكلم نفسه، ضرورة الكلب في المسرحية، والأيدي عطلة رسمية، تُرجم شعره إلى الألمانية والإنجليزية والفرنسية والهولندية والسويدية والكاتالونية، وصدر له ما تبقى منا لا يهم أحداً مختارات شعرية باللغة الألمانية، عن دار سابون بسويسرا عام 2004 .

كيف ترى المشهد الثقافي بعد الثورة؟


المشهد الثقافي بعد الثورة مرتبك، لأننا إذا افترضنا سقوط النظام السابق وهو مجرد افتراض من وجهة نظري فثقافة هذا النظام ما زالت باقية، والمشهد الثقافي بعد الثورة لم يتغير كثيراً، بل ازداد سوءاً ونفاقاً طوال الوقت، وبعد أيام الفرحة الأولى من هذه الثورة وهي 18 يوماً ظهرت مجموعة من المنافقين يرتدون ملابس الثورة، وهم أتباع النظام وكانوا في حظيرته قبل الثورة، أما الكتّاب الحقيقيون وأصحاب المواهب والمبادئ والقيم فنحن نحترمهم كما هم في عزلتهم يراقبون ويتأملون، وما نشاهده بعد الثورة هو نوع من النفاق والأدب الرديء، فكل الشعر الذي كتب بعد الثورة لا يوصف إلا بأنه شعر رديء .


* رغم أن البعض كان يقول إن القصيدة هي الأقدر على التعبير عن الثورة؟

هذا حقيقي ولكنها تحتاج إلى بعض الوقت، لسببين أحدهما أن الثورة لم تنته بعد، فنحن ما زلنا في بدايتها، لأنه لم يتغير شيء، وثانياً الناس تحتاج إلى وقت حتى تتأمل وتفكر، فأنا أصابتني الدهشة عندما وجدت أكثر من 35 عرضاً مسرحياً عن الثورة وكلها محض إنشاء فارغ .

* لكن ألا يوجد أمل بتغيير هذه الثقافة؟

نحتاج إلى وقت طويل جداً، فالمصريون سقط منهم مشروع النهضة منذ 1967 حتى الآن، لأن هزيمة 67 لم تكن عسكرية فقط، بل كانت هزيمة اجتماعية وثقافية، وحتى الآن نحن نعانى أزمة وعي وانحطاط وانحدار في كل شيء، فكل هذه التراكمات تحتاج إلى وقت طويل جداً لنتخلص منها، وإذا تأملنا المشهد جيداً وبشكل واقعي سنجد أن من كانوا في عزلة ما زالوا كما هم، ومن كان موجوداً على الساحة خرج بملابس الثورة وأصبح واحداً من الثوار .

* ما رأيك في المعركة الدائرة الآن بين قصيدتي النثر والتفعيلة؟

هذه جنازة لتابوت فارغ، والغريب أن هذه المعركة انتهت في العالم كله، فلا نجد اليوم من يتحدث عن قصيدتي النثر والتفعيلة إلا في مصر، لأنها معركة لحساب أشخاص فقط، كأحمد عبد المعطي حجازي ورفاقه، والأجدر بهم أن يتحدثوا عن الشعر أولاً، ثم يقرروا بعدها إن كان هناك صراع بين قصيدتي النثر والتفعيلة أم لا، وما يحدث اليوم هو عناوين معارك فارغة لا قيمة لها .

* لكن بعض الشعراء ومنهم الدكتور حسن طلب يرى أن قصيدة النثر ماتت جماهيريا؟

أحترم حسن طلب وأحب شعره، ولكن هذه وجهة نظره، فهو حين يقولها نجده متسقاً مع نفسه، لأن شعره يعتمد على المهارة اللغوية والموسيقا، وهو قادر على هذا، أما غيره إن فعل هذا فسيكون محض زينة أو أرابيسك، ولكن في رأيي أن الشعر كله في مصر والوطن العربي أيضاً بلا جمهور، وإن وجد فهو محدود، بل الأدب كله بلا جمهور إلا من حالات فردية وخاصة .

* لماذا نشهد الآن انحساراً للشعر؟


هناك مشكلة منذ سبعينات القرن العشرين، وهي أننا نعيش أزمة هزيمة للثقافة العربية منذ نكسة ،67 لأن الأدب انفصل عن جمهوره منذ زمن طويل جداً، وكنت أعتقد في ما مضى أن الأدباء هم من أسهموا في هذا بابتعادهم عن الواقع، ولكن المناخ في الوطن العربي بعد النكسة وجرح الوعي العربي بكامله أصبح غير مهيأ لاستقبال الأدب، وبعد نجيب محفوظ لا يوجد روائي شعبي يقرؤه ويعرفه الناس، وربما هناك رواية لكاتب قد تكون مهمة ولكن كاتبها في الرواية الثانية لا يستطيع أن يصل إلى الناس كما في روايته الأولى، وهناك أزمة عامة في كل شيء سواء في الأدب أو المسرح أو السينما أو الأغنية، فنحن نستمع الآن لما يسمى الغناء الشعبي مجازاً، ولا يوجد غناء له قيمة .

* ما سر الاغتراب الواضح في شعرك منذ ديوانك الأول بلا مقابل أسقط أسفل حذائي؟

الشاعر دائماً مغترب في كل الأحوال والأزمنة، وهذا الاغتراب لا ينفصل عن الواقع، فهو يسعى لخلق عالم يعكس مأساة الواقع نفسه .


* في ديوان ضرورة الكلب في المسرحية وبقية أعمالك الأخرى نجد أنك مهموم بالموت . . لماذا؟

لأن الحقيقة الوحيدة والكبرى في هذا العالم هي الموت، وأنا قارئ جيد للفلسفة ومغرم بها لدرجة أنني كنت أتوقف سنوات عن كتابة الشعر لقراءة الفلسفة، ومشكلة الفلاسفة منذ سقراط حتى الآن هي فكرة الموت، لأنها الحقيقة الوحيدة التي نعجز عنها جميعاً، كما أنها ما زالت تؤرقني حتى الآن .

* وفي ديوان رجل طيب يكلم نفسه اعتمدت اعتماداً كاملاً على الدراما والسرد أيضاً، حتى لكأننا أمام مسرحية شعرية؟

الشعر والدراما وجهان لعملة واحدة، وأهم ثلاثة كتاب أسسوا للمسرح في العالم كله في فترة القرن الرابع قبل الميلاد هم اسخيلوس، سوفوكليس، وأيربيدوس، وكان يطلق عليهم في الأصل لقب شعراء وليس كتاب مسرح، والشعر بلا دراما هو محض كلمات لا قيمة لها، ويظهر هذا أيضاً في الشعر الجاهلي والعمودي والكلاسيكي بشكل عام، وفي رأيي لا يمكن أن يوجد شاعر من دون مخيلة درامية، أو كاتب مسرحي من دون حس شعري، وهذا موجود تاريخياً فمعظم كتاب المسرح في العالم هم شعراء ومنهم بريخت، صامويل بيكت، يونسكو، وإليوت، والشعراء الجيدون لديهم هذا الحس الدرامي وحتى لدى المتنبي نفسه .



* ما سر السخرية المريرة في شعرك ؟

ماذا تفعل مع هذا العالم سوى أن تسخر منه؟ وأذكر حكاية لبشار بن برد وردت في كتاب الأغاني، عندما كان يقرأ شعراً للخليفة المهدي فدخل خال الخليفة في هذه الأثناء، وما إن فرغ بشار من قراءة الشعر حتى سأله خال الخليفة عن صناعته، فقال بشار أثقب اللؤلؤ، فحينها ثار الخليفة وقال له: ويحك أتسخر من خالي؟ فرد عليه ابن برد بقوله: وماذا أفعل به؟ يرى شيخاً ضريراً في السبعين يقرأ شعراً للخليفة ويسأله عن صناعته . . فهذا العالم لا يسعني سوى أن أسخر منه حتى أستطيع أن أحتمله وأتعامل معه .

* مقارنة بكتّاب جيلك أنت مقلٌ في أعمالك الشعرية . . لماذا؟

انتهيت من كتابة ديوانين منذ فترة ولم أنشرهما حتى الآن، لأن الشعر لديّ صعب جداً وربما أكتب وأحذف أكثر مما أنشر بكثير، فأنا لا أكتب الشعر أو أؤلفه لأنني أبحث عنه، وحين أجده أكتبه، وأفضل أن أتوقف عن الكتابة إن كان البديل أن أؤلف الشعر، وبالتالي لا بد أن أكون مقلاً، وعلى سبيل المثال هل هناك من الشعراء المصريين في العصر الحديث من هو أهم من صلاح عبد الصبور الذي لم يكتب طوال حياته سوى ستة دواوين؟ وهناك من لديه 20 ديواناً ولا قيمة له؟

* وبرأيك لماذا يتهم جيل التسعينات بأنه جيل بلا قضية؟

أولاً: لدي تحفظ على مقولة جيل التسعينات لأنني ضدها، فالشعر حالة فردية، وثانياً: ما القضية؟ ففي ما سبق خاصة لدى كتاب الستينات والسبعينات كانت هناك قضايا كبرى كالقومية العربية، وغيرها، أما جيلنا نحن فلديه قضايا أيضاً تخصه، كقضيته الذاتية، ففي التسعينيات بشكل عام في السينما والمسرح والشعر والأدب خرج هذا الجيل ليجد أن كل شيء ذهب وولى، كالقضايا الكبرى، وعصر النهضة، ووجود هذا الجيل كان مرهوناً بالتمرد والخروج على هذه القضايا، والبحث عن قضايا تخص لحظته الراهنة .

* في شعرك هناك تداخل واضح بين كونك ناقدا مسرحيا وشاعرا أيضا خاصة في قصيدة فيلم رومانتيكي؟

أرى أن هناك تداخلاً بين كوني مسرحياً ولا ناقداً، وقصيدة فيلم رومانتيكي هي فيلم كامل، وهناك قصائد لي تحولت إلى مسرحيات مثل رجل طيب يكلم نفسه، وربما هذا التداخل نستطيع أن نعتبره سخرية، فالشاعر هنا يسخر من العالم ويضعه في صورة فيلم رومانتيكي، لأن الرومانتيكية نفسها انتهت منذ زمن طويل، والتداخل بين الشعر والمسرح لديّ موجود في كل أعمالي، لأنني أرى ما أكتب فإن لم أر ما أكتب فلن أكتب، فحين أكتب إحدى قصائدي أشاهد شخصياتها أمامي تتحرك .

* ما رأيك في المجلات الأدبية في مصر؟ وهل ترى أنها أفادت الحركة الثقافية؟

الحركة الأدبية هي التي تفيد المجلات المتخصصة، وحين تكون هناك حركة أدبية قوية تكون المجلات المتخصصة قوية، وإذا عدنا إلى مجلات الكاتب، والطليعة وغيرهما سنجد أن هذه المجلات ازدهرت حين كانت هناك حركة ثقافية قوية، وليست مجلة شعر هي التي صنعت أدونيس، وشوقي أبوشقرة، وفؤاد رفقة، والماغوط، ولكن هؤلاء هم من صنعوا مجلة شعر، وحين توجد حركة أدبية مزيفة إلى حد كبير ستكون المجلات الأدبية بالتالي ضعيفة، كما أنني لا أهتم الآن بالمجلات الأدبية لأنها انعكاس للحالة المزيفة للثقافة .


صدام كمال الدين

05/11/2011
شاركه على جوجل بلس

عن صدام كمال الدين

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 التعليقات:

إرسال تعليق